ما يجري في الشرق الأوسط.. لمصلحة مَن؟

أ. د. أمين مشاقبة

إن المتمعن في السلوك العسكري والسياسي الإسرائيلي اليوم يرى أنها تسعى لتطبيق “سلام القوة”، فبعد ما جرى ويجري في غزة منحها النشوة بالانتصار والقوة، فهي تملك سلاح جو متطورًا وقادرًا على تهديد أي مكان في الشرق الأوسط، وترى أن المعادلات قد تغيرت تغيرًا جذريًا، وعلى الجميع أن يستوعب هذا، فهي بعد السابع من أكتوبر مختلفة تمامًا عمّا قبلها، وعلى دول وشعوب المنطقة استيعاب هذه التحولات. ويتماشى مع ذلك الدعم الأمريكي الكامل لهذا السلوك والدور الجديد.

إن ما تنفذه الولايات المتحدة في المنطقة هو ما فكرت وتفكر وخططت له إسرائيل، فإدارة الرئيس الأمريكي تنفذ ما تريده إسرائيل، وكل المعلومات والأفكار تُنقل إلى الإدارة الجديدة التي تعمل على التنفيذ سياسيًا وعسكريًا، ومثال ذلك الحوثي في اليمن، ومسألة المفاعلات النووية الإيرانية، والموقف من حركة حماس. وقد أُطلقت يد إسرائيل استنادًا إلى أنها تخدم المصالح الأمريكية، مع امتلاكها ترسانة عسكرية متطورة وقوية، وممارستها القوة المفرطة مع كل من يخالف هذا التوجه. ما تريده إسرائيل هو تصفية القضية الفلسطينية بشكل كلي، وإعادة السيطرة على القطاع وبدء الاستيطان وتهجير الغزاويين، وقد كلفت الحكومة الإسرائيلية “الموساد” بهذه المهمة، حيث استطاعت إقناع الحكومة الإندونيسية باستيعاب مائة من العمال الغزيين للعمل في لجان البناء.

فهذه الحرب ليست حربًا عادية، وإنما إبادة جماعية بكل معنى الكلمة، إنها حرب النهضة والتوسع وحرب وجود. أما ما يجري في الضفة الغربية، فالبداية كانت في المخيمات الفلسطينية في الشمال والوسط والجنوب، حيث تم تهجير ما يزيد على 40 ألف مواطن، بهدف إلغاء حق العودة، وإنهاء أي مظاهر للمخيمات التي ترمز لذلك، والضغط الاقتصادي والعسكري لإجبار الفلسطينيين على الخروج من فلسطين، وبالتالي فرض السيادة على الضفة الغربية وتغيير اسمها إلى “يهودا والسامرة”. كما أن إعلان السيادة وضم الضفة هو أمر موافق عليه من قبل الرئيس ترامب، وسيجري الأمر بسهولة ويسر ودون معاناة، وبالتالي، لا دولة فلسطينية مستقلة على أراضي 1967، فهذا حلم فلسطيني انتهى منذ زمن بعيد وفق الرؤية الصهيونية.

لقد تم الانتهاء من قوى المقاومة في لبنان وسوريا، واحتُلت كامل هضبة الجولان السوري، وفُرض حظر جوي شامل على الجنوب السوري، مع مراقبته بالطيران على مدار الساعة. كما يتم العمل على تقسيم سوريا إلى دويلات عرقية وطائفية (كردية، علوية، درزية، وسنية) بحيث لا تشكل تهديدًا مستقبليًا للكيان الإسرائيلي، وذلك ضمن مخطط تنفيذ “ممر داود”.

أما الولايات المتحدة، فهي تنفذ عمليات عسكرية جوية على اليمن لإنهاء الحوثي نيابة عن إسرائيل ودفاعًا عنها، كما أن إيران تواجه ضغطًا وعقوبات وتهديدات، وقد أُعطيت مهلة شهرين للرد على الرسالة التي وُجهت لقيادتها بخصوص المفاعلات النووية والصواريخ الباليستية والأذرع المسلحة التي تدعمها، فإما

التفاوض السلمي أو الحرب على قدراتها. إسرائيل لا تعارض توجيه الضربة العسكرية لإيران، لكنها تريدها أن تكون بيد أمريكية.

ويتساءل المرء: لمصلحة من يجري كل هذا في الشرق الأوسط؟ ومن هو المستفيد الأول؟ بالطبع، الجواب معروف: إنها مصلحة الصهيونية العالمية، التي تريد لإسرائيل السيطرة الكاملة على الشرق العربي، وخلو المنطقة من أي معارضة لهذه السيطرة والنفوذ، ومن لا يرتدع بالكلام سيرتدع بالقوة، والشواهد ماثلة للعيان أمام الجميع. هذه هي الأهداف النهائية لإسرائيل، ومن لا يعي ذلك، عليه البحث في جذور المشروع الصهيوني في المنطقة.

إن إسرائيل تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة العربية بالكامل، وستبقى كذلك لعقود قادمة، فهي دولة بُنيت على الدم الفلسطيني والعربي، وستواصل استخدام القوة المفرطة دون رادع إنساني أو أخلاقي أو قانوني، فهي لا تملك شيئًا من ذلك. إنه العصر الصهيوني يا سادة! وعليكم قراءة كتابين لفهم هذا الواقع: الإسلام المتعب والعودة إلى مكة، لتروا الأهداف التي يسعى الكيان لتطبيقها على أرض الواقع، وأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

(الرأي)






الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق